محمد محمد أبو موسى
9
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
واستنطاقها والفتق عن مكنوناتها ، موقفنا في القراءة والتحصيل ، فهناك من يدرس ليحصّل ويجتهد في أن يستوعب أفكار الآخرين ، ويملأ منها عيبته ، ثم يكتفى بأن تكون دراساته ومصنفاته مزيجا من ذلك كله ، فيوهم بسعة الثقافة ومواكبة العصر ، والتوشح بالأصالة وبالمعاصرة معا ، وهكذا ترى في كتبه كتب الناس ، وفي رأسه عقولهم ، وفي فمه ألسنتهم ، وهذا هو حال أكثر كتابنا وعلمائنا ، وهم مختلفون بمقدار اصابتهم في باب التحصيل هذا . وهناك من يقرأ ليفكر ، ويحصّل ليتدبر ، ويستوعب ليتشرب ، يستوى عنده كل ما تقع عليه عينه غير ناظر إلى أنه يوافق أصحاب هذا الفكر أو يخالفهم ، المهم عنده أن يستنهض في نفسه عقلا يستنزل صوبه من غمامه ، ويستنبط فكرته من معدنه ، ويخفق بجناحه هو ، ويقول بلسانه هو ، ويكتب بمداده هو ، وهكذا كل ذي أنفة ، ولا تجد باحثا مقتدرا الا وفيه بأو " ينأى به عن أن يختلس لسانه ما في أفواه الآخرين ، وأن يعيش بين الناس وهو يمضغه في غير حياء ، هذا أصل يجب أن نقدمه بين يدي الفكرة التي نريد تأكيدها وهي ضرورة انتفاع الدراسة الأدبية بما في علوم القرآن ، لأنها في جملتها قائمة على اللغة والشعر . ولو تصورت أنني نقلت موضوع النسخ من حقل الدراسة القرآنية إلى حقل الدراسة الأدبية فكيف أراه ؟ لو قلت : انني في ضوء هذا أنظر لأتعرف هل نسخ الشاعر بعض معانيه ، يعنى نفى ما أثبت ، أو أثبت ما نفى ، أو رضى ما كره ، أو كره ما رضى ، لكان هذا تفكيرا قريبا ونقلا حرفيا للفكرة مع أنه لا يخلو من فائدة . وانما لا بد من تحريك الفكرة ، واستنطاقها بغير ما كانت تنطق به هناك ، وحسبها هنا أن ترشدنا إلى دراسة الديوان دراسة تاريخية مرتبة ترتيبا زمنيا مضبوطا ، وهذه مسألة لا تكلف شيئا في الشعر الحديث لأن الشعراء يؤرخون قصائدهم ، أما في الشعر القديم فإنها